أخبار وطنية المنصف بن مراد يكتب: بعد تغيير النظام، إلى المجهول سر!
بعد تغيير النظام انشغلت حكومتا الترويكا بإركاع الدولة وتوظيفها ونهبها و«أسلمتها» من أجل مصالح ثلاثة أحزاب.. لم تكن هذه الأحزاب في خدمة متطلبات التغيير ومطالب أغلبية الشعب التونسي وخاصّة منها ضعفاء الحال والطبقات الوسطى والولايات التي وقع تهميشها.. كانت الحكومة وأجهزة الدولة على ذمّة ثلاثة أحزاب هدفها الاستيلاء على تونس وفسخ تاريخها البورقيبي.. وحتى عيد الاستقلال لم يعد يحتفى به!
ثم جاء مهدي جمعة الذي حاول الاستجابة لشروط المؤسّسات النقدية الغربية ولم يتغيرالكثير.. وبوصول حزب نداء تونس الى سدّة الحكم، انتظرنا التغيير ولو بصفة تدريجيّة لكن الباجي قايد السبسي اهتمّ بمصالح ابنه حافظ الذي يفتقر لكلّ مواصفات رجل السياسة في حين اهتمّ رئيس الحكومة الحبيب الصيد بتسيير الأمور دون أن تكون له رؤية ومشروع وطموح.. لقد كان رئيس الحكومة ومازال رجلا طيبا مكبّل اليدين تحكم النهضة والنداء في قراراته وكأنه موظف سام ينفّذ بكلّ جدية وحزم بعض الاملاءات.
لقد كانت اختيارات الحكومات المتتالية ليبيرالية ويمينية دون بعد اجتماعي وانساني وبعيدة كل البعد عن شواغل الطبقات الفقيرة والمتوسّطة وخاصّة سكّان الأرياف والجبال أي الذين يعيشون تحت الصفر.
على صعيد الجهات، كان من المفروض عقد اجتماعات مكثّفة في كلّ ولاية مع أهمّ كوادرها وشبابها ونسائها ومنظّماتها حتى يقدّموا برامج تنموية واقتصاديّة وثقافية ورياضية تسمح بالنّهوض بكلّ البقاع المحرومة وتمكينها من أسباب العيش بعيدا عن الشعارات والكلام الفضفاض.
كان على اطارات كل ولاية ان يخطّطوا لمستقبل ولايتهم (اقتصاد، صحة، تعليم، ثقافة، بنية تحتية، مشاريع كبرى، فلاحة، رياضة) وأن يقدّروا حجم التمويلات بجهاتهم ثم ينسّقوا مع الحكومة لإنجاز «الحلم الأكبر» حتى تصبح تونس الأعماق في غضون سنوات منارات على كلّ المستويات.. كما كان على الحكومة ان تعدّ مشروعا كبيرا يحتضن مشاريع الولايات..
إنّي أعيب على الحكومة ضعفها وتردّدها لأنّها وإن اتخذت بعض الاجراءات الايجابيّة لم يكن لها حلم يجعل من الولايات المقصاة أراضي يطيب فيها العيش بعد عقد أو عقدين من الزّمن.. لقد كانت الضرورة تقتضي تعيين ولاة برتبة وزير يشتغلون دون هوادة ولا كلل مع أبناء الولايات وبناتها من أجل تحقيق المعجزات على كل المستويات، لكن المحاصصة الحزبية فرضت ولاة يعملون بطرق تقليدية أكل عليها الزمن وشرب ولا أمل يرجى منها، كما كان من المفروض أن يكون رئيسا الجمهورية والحكومة رجلين لهما حلم وإرادة صلبة وعنفوان الشّباب لتلتحق بلادنا بركب البلدان المتقدّمة وتصبح واحة أمان.. لكن كيف يمكن ان يطرح هذا التصوّر وبرنامج النهضة أسلمة شعب مسلم في حين انّ ما بقي من نداء تونس يتخبّط في موضوع توريث الابن وفي التخلّي عن البرنامج الذي أغرّ به «النداء» النّاخبين؟
بكلّ صراحة لقد فشلت كل الحكومات التي تتالت بعد الثورة في إرساء الأهداف التالية وتحقيقها:
ـ قضاء مستقل
ـ عدالة اجتماعيّة
ـ اقتصاد مزدهر
ـ اعلام حرّ وغير مخترق
ـ تنمية حقيقيّة في الولايات المحرومة
ـ تشغيل الشباب
ـ الاهتمام بالفقراء
ـ الضّغط على الأسعار
عكس ذلك، أصبحت تونس تعاني من نفوذ بارونات التهريب ومن المصالح الضيّقة للأحزاب ومن الانهيار النسبي للدولة ومن انعدام استراتيجيّة واضحة لهزم المتشدّدين والارهاب.
هذه السياسة اليمينية العشوائية تحتاج إلى تغييرات جذرية على جميع الأصعدة وخاصّة على الصّعيدين الاقتصادي والاجتماعي، وقد عبّر اتحاد الشغل عن امتعاضه إزاء اختيارات الحكومة، التي لم تهتم ـ بما فيه الكافية ـ بالعدالة الاجتماعيّة، وأمّا «الاصلاحات» التي تتحدّث عنها فهي اجراءات موجعة مفروضة من صندوق النقد الدولي وستضرّ بضعاف الحال.
والمطلوب اليوم ـ وأكثر من أيّ وقت مضى ـ الاهتمام بالتونسيين والتونسيات الذين هم تحت درجة الفقر وذلك ببعث برامج توفّر لهم موارد رزق، وفي انتظار ذلك تمكينهم من الغذاء والماء والكساء وتمكين أبنائهم من حقّهم في التمدرس.
يجب بعث صندوق لمؤازرة اخواننا المهمّشين تشترك في تمويله الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
وفي الأثناء لابدّ من طرح أسئلة على كلّ الأطراف:
ـ كيف يمكن ارساء مجتمع أكثر تضامنا؟
ـ كيف يمكن توفير مناخ ملائم للمؤسّسات الاقتصاديّة؟
ـ كيف يمكن فرض العدالة الجبائيّة؟
ـ كيف يمكن تحسين جرايات العمّال والموظّفين؟
- كيف يمكن الحدّ من المديونية؟
ـ أيّ وسائل لتجريم الرشوة؟
ـ كيف يوضع حدّ لنشاط كبار بارونات التهريب؟
ـ كيف الضغط على الأسعار؟
ـ كيف نرسي سلما اجتماعيّة طويلة المدى؟
انّ بلادنا بحاجة الى حلم كبير، فهي لم تولد منذ خمس سنوات بل منذ 3000 سنة.